التعليم في سوريا: إصلاح لا يحتمل التأجيل
مقال رأي يناقش واقع التعليم في سوريا والحاجة إلى الانتقال من أسلوب الحفظ والتلقين إلى تعليم حديث قائم على البحث، التفكير النقدي، المهارات، والإنتاج المعرفي، مع إعادة تعريف دور المعلم والاستفادة من الخبرات السورية في الخارج. لماذا تحتاج سوريا إلى إصلاح جذري في التعليم؟ مقال يناقش الانتقال من الحفظ والتلقين إلى البحث والتفكير والإنتاج المعرفي وبناء جيل قادر على صناعة المستقبل.
رأي شخصي لا يُعتدّ به في أي محفل محلي أو دولي
برأيي الشخصي، نبالغ إلى حدّ كبير في تعظيم الدور التقليدي للمدرسة والمعلم، وكأنهما ما زالا المصدر الأساسي، أو حتى الوحيد، للمعرفة. هذه الفكرة ربما كانت منطقية قبل عقود، عندما كان الوصول إلى المعلومة صعبًا، والكتاب نادرًا، والمكتبة بعيدة، ولم يكن الإنسان يستطيع الوصول خلال دقائق إلى آلاف المصادر والدراسات والمحاضرات والتجارب من مختلف أنحاء العالم.
أما اليوم، فقد تغيّر مفهوم التعليم من أساسه.
لم تعد المشكلة الحقيقية هي: كيف نحصل على المعلومة؟
بل أصبحت: كيف نبحث عنها؟ كيف نتحقق منها؟ كيف نفهمها؟ وكيف نحوّلها إلى معرفة أو مهارة أو منتج؟
أساس التعليم الحديث، برأيي، ليس أن تحفظ، بل أن تتعلم كيف تتعلم.
أن يعرف الطالب كيف يطرح السؤال الصحيح، وكيف يبحث، وكيف يفرّق بين المصدر الجيد والمصدر الرديء، وكيف يقارن بين المعلومات، ويناقشها، ويحللها، ويختبرها، ثم يستخدمها في حل مشكلة حقيقية.
وهنا يتغير دور المعلم جذريًا.
المعلم لم يعد مطلوبًا منه أن يكون «خزان معلومات»، لأن أكبر أستاذ وأوسعهم معرفة لا يستطيع اليوم منافسة طفل يمتلك فضولًا حقيقيًا، وإنترنت، وقدرة جيدة على البحث والاستفادة من أدوات المعرفة الحديثة.
قيمة المعلم اليوم يجب أن تكون في خبرته، وأسلوبه، وقدرته على التوجيه، وبناء التفكير، وتحفيز الفضول، وتصحيح المسار.
المعلم الجيد لا يقول للطالب: احفظ ما أعرفه.
بل يقول له: سأعلمك كيف تستطيع أن تعرف أكثر مني.
أما نموذج التعليم القائم على التلقين والحفظ الأعمى، فهو في رأيي نموذج قميء ومتهالك ساهم في دفن طاقات أجيال كاملة من الشباب.
سنوات طويلة يقضيها الطالب في حفظ معلومات لا يفهم سبب تعلمها، ولا يعرف كيف يستخدمها، ولا ترتبط غالبًا بسوق العمل أو الحياة أو الإنتاج أو الابتكار. ثم ينهي دراسته ليكتشف أن الكثير مما حفظه لم يساعده حتى في بناء أبسط مهاراته المهنية.
بل إن هذا النظام، في كثير من الحالات، لم ينجح حتى في تحقيق الحد الأدنى الذي يدّعي أنه يهيئ الطالب له: أن يصبح عاملًا جيدًا ومنتجًا.
والمفارقة أن كثيرًا ممن نجحوا في مجتمعاتنا لم ينجحوا بسبب المدرسة، وإنما رغم المدرسة.
علمتهم الحياة، والسوق، والشارع، والعمل المبكر، والهجرة، والاحتكاك بالناس، والحاجة إلى البقاء. كانت مهارة النجاة والتكيّف في كثير من الأحيان أكثر فائدة لهم من سنوات طويلة من الحفظ داخل الصفوف.
وأتحدث هنا أيضًا من تجربة شخصية.
لم يمر عليّ خلال مراحل تعليمي أستاذ أستطيع أن أصفه بأنه غيّر طريقة تفكيري فعليًا إلا القليل ممن رحم ربي. واجهت نماذج كثيرة متعنتة، قديمة في أسلوبها، جامدة في فهمها، تتعامل مع الطالب وكأن المطلوب منه الطاعة لا التفكير.
وهذا رغم أن جزءًا مهمًا من تعليمي كان في مدارس خاصة كانت تُعتبر من الأفضل في سوريا، إضافة إلى مدارس صناعية يُفترض أصلًا أن تقوم على المعرفة التطبيقية والإدراكية والمهارة.
ومع ذلك بقيت المشكلة الأساسية واحدة:
ثقافة تعليمية تخاف من السؤال، وتعاقب الاختلاف، وتمجّد الحفظ.
والأخطر أن نتائج هذا النوع من التعليم لا تتوقف عند المدرسة.
عندما نرى اليوم شخصًا في موقع تشريعي أو عام ما يزال يناقش الضرب كوسيلة تربوية وكأننا نعيش في حقبة أخرى، فنحن لا نشاهد رأيًا فرديًا فقط؛ نحن أمام إحدى نتائج المنظومة نفسها.
إنها عقلية تربوية قديمة أعادت إنتاج نفسها جيلاً بعد جيل حتى وصلت إلى مواقع القرار.
من يحتاج إلى إعادة التأهيل هنا ليس الطفل الذي يسأل أو يتحرك أو يعترض، بل أحيانًا الشخص البالغ الذي ما زال يتعامل مع الخوف والعنف باعتبارهما أدوات لبناء الإنسان.
الطفل لا يحتاج إلى من يكسره حتى «يتربى».
يحتاج إلى من يبني شخصيته، ويعلمه الانضباط دون إذلال، والاحترام دون خوف، والمسؤولية دون قمع.
ولهذا فإن المشكلة، برأيي، ليست مشكلة معلم أو مدير مدرسة أو منهج منفرد.
نحن أمام منظومة تعليمية تحتاج إلى إعادة بناء حقيقية، من أعلى الهرم إلى أدنى مستوى إداري فيها.
من الوزارة، إلى مديريات التربية، إلى الإدارة، إلى المدرسة، إلى الصف، وصولًا إلى أصغر تفصيل في البيئة التعليمية.
إذا لم تتحول هذه المؤسسة، بصورة واضحة وحاسمة، من ثقافة التلقين المعرفي إلى ثقافة الإنتاج المعرفي، فإننا نخاطر بإنتاج جيل جديد يحمل الشهادات لكنه عاجز عن بناء البلد.
نريد طالبًا يستطيع في نهاية تعليمه أن يبحث، ويحلل، ويكتب، ويعرض فكرته، ويتعاون، ويستخدم التكنولوجيا، ويتعلم مهارة جديدة بنفسه، ويفهم أساسيات الاقتصاد والعمل والإنتاج والتواصل.
نريد مدارس فيها مختبرات وتجارب ومشاريع حقيقية، لا دفاتر مليئة بنصوص محفوظة.
ونريد تقييم الطالب بناءً على قدرته على الفهم والتطبيق والإنتاج، لا على قدرته على استعادة صفحة من الكتاب في ورقة امتحان ثم نسيانها بعد أيام.
ويقال لنا دائمًا إن الإصلاح يحتاج إلى وقت، وإن الانتقال يجب أن يكون تدريجيًا.
لا أتفق مع هذه الحجة على إطلاقها.
بعض التغييرات تحتاج بطبيعتها إلى وقت، نعم، لكن هناك قرارات يمكن اتخاذها فورًا: تغيير آليات التقييم، تحديث المناهج، تدريب المعلمين، إدخال البحث والمشاريع، استخدام التكنولوجيا، فتح باب الاستعانة بالخبرات، وإلغاء عشرات الممارسات البالية التي يعرف الجميع أنها لا تنتج تعليمًا حقيقيًا.
الانتقال البطيء ليس فضيلة بحد ذاته.
أحيانًا يصبح «التدرج» مجرد اسم مهذب لتأجيل القرار.
والسؤال الأكبر: لماذا لا نستفيد بصورة جدية من ملايين السوريين الموجودين اليوم في الخارج؟
هناك سوريون عملوا في شركات وجامعات ومؤسسات تقنية وصناعية وطبية وتعليمية في أوروبا وكندا والخليج وأماكن أخرى. بعضهم اكتسب خبرات عملية يصعب بناء مثلها محليًا خلال سنوات قصيرة.
بدل التعامل مع الجاليات السورية باعتبارها مجرد مصدر للتحويلات المالية، يجب النظر إليها باعتبارها مخزونًا بشريًا ومعرفيًا هائلًا لإعادة البناء.
لا أقول إن علينا إعادة الجميع إلى سوريا.
يمكن استقطاب الخبرات عن بُعد، وإنشاء مجالس استشارية تخصصية، وبرامج تدريب، وشراكات جامعية وتقنية، ومشاريع أتمتة، ونقل معرفة، وربط الخبراء السوريين بالخدمات الحكومية والمؤسسات التعليمية والاقتصادية.
في التعليم، والطاقة، والتكنولوجيا، والإدارة، والإعلام، والصناعة، والتحول الرقمي، هناك آلاف الخبرات السورية التي يمكن أن تختصر علينا سنوات.
لكن لا يمكن في الوقت نفسه الحديث عن إعادة البناء، ثم خلق بيئة تنفّر رأس المال والكفاءات والخبرات القادمة من الخارج.
ولا يمكن بناء دولة جديدة بعقلية إعادة تدوير الأشخاص والأساليب والأدوات التي كانت جزءًا من المشكلة القديمة.
الإصلاح الحقيقي لا يكون بتغيير أسماء المؤسسات والإبقاء على العقلية نفسها.
ولا يكون باستبدال صورة على الجدار والإبقاء على طريقة الإدارة القديمة.
الإصلاح يبدأ عندما تتغير معايير اختيار الأشخاص، وآليات العمل، والمحاسبة، وطريقة اتخاذ القرار، والعلاقة بين الدولة والمواطن.
وأهم مكان يجب أن يبدأ منه كل هذا هو المدرسة.
لأن الخطأ في أي قطاع قد يكلفنا مالًا أو وقتًا، أما الخطأ في التعليم فيكلفنا جيلًا كاملًا.
ومن هنا تأتي قسوة موقفي.
أنا لا أهاجم التعليم لأنني لا أقدّر المعرفة، بل بالعكس تمامًا؛ لأنني أرى أن المعرفة أهم من أن تُترك رهينة نظام متقادم.
ولا أنتقد المعلمين لأنني أستخف بدورهم؛ بل لأن دور المعلم الحقيقي في العصر الحالي أهم بكثير من مجرد الوقوف أمام سبورة وإملاء المعلومات.
المعلم الجيد اليوم يمكن أن يغير حياة مئات الأشخاص، ولكن بشرط أن نسمح له بأن يكون موجّهًا وصانع عقول، لا موظفًا مكلفًا بإنهاء صفحات الكتاب قبل نهاية الفصل الدراسي.
خلاصة القول:
سوريا لا تحتاج إلى ترميم النظام التعليمي القديم، بل إلى إعادة تعريف معنى التعليم نفسه.
نحتاج إلى تعليم يصنع إنسانًا قادرًا على التفكير، لا إنسانًا مدربًا على الطاعة.
قادرًا على البحث، لا الحفظ فقط.
قادرًا على إنتاج المعرفة، لا تكرارها.
قادرًا على استخدام التكنولوجيا، والعمل، والتكيف، والتعلم المستمر.
وقادرًا، قبل كل شيء، على السؤال.
لأن الدولة التي يخاف طلابها من السؤال ستصبح لاحقًا دولة يخاف مواطنوها من التفكير.
أما الاستمرار في تدوير العقليات القديمة، واسترضاء أصحاب المصالح، وإبعاد الخبرات والكفاءات، وتبرير البطء في الملفات التي تحتاج إلى قرارات واضحة، فلن يقود إلى إعادة بناء حقيقية.
هناك فرصة تاريخية لإعادة بناء سوريا بشكل مختلف.
لكن الفرص التاريخية لا تبقى مفتوحة إلى الأبد.
ومن يعيد إنتاج الأخطاء نفسها لا يستطيع أن ينتظر نتائج مختلفة.
وإذا لم نفهم ذلك سريعًا، فلن يكون الثمن مجرد سنوات دراسية ضائعة، بل جيلًا جديدًا قد ندفع جميعًا ثمن ضياعه.
ولا حول ولا قوة إلا بالله.













