ملخص الأسبوع السوري: نعيد تصميم كل شيء… إلا الأولويات

أحيانًا أشعر أن أفضل طريقة لفهم ما يجري في سوريا ليست متابعة الأخبار واحدًا واحدًا، بل جمع «ترندات الأسبوع» كلها في مشهد واحد، ثم الوقوف أمامه قليلًا ومحاولة استيعاب الصورة. نناقش الهوية البصرية لليرة، ونختلف على الخطوط والألوان والرموز، ونتحدث عن المشاريع والاستثمارات والمليارات والتواريخ والخطط المستقبلية، ونرفع أعيننا إلى تجارب دول مثل الإمارات، ونحاول إقناع أنفسنا أننا أمام ورشة بناء دولة حديثة.

ملخص الأسبوع السوري: نعيد تصميم كل شيء… إلا الأولويات

ملخص الأسبوع السوري: نعيد تصميم كل شيء… إلا الأولويات

أحيانًا أشعر أن أفضل طريقة لفهم ما يجري في سوريا ليست متابعة الأخبار واحدًا واحدًا، بل جمع «ترندات الأسبوع» كلها في مشهد واحد، ثم الوقوف أمامه قليلًا ومحاولة استيعاب الصورة.

نناقش الهوية البصرية لليرة، ونختلف على الخطوط والألوان والرموز، ونتحدث عن المشاريع والاستثمارات والمليارات والتواريخ والخطط المستقبلية، ونرفع أعيننا إلى تجارب دول مثل الإمارات، ونحاول إقناع أنفسنا أننا أمام ورشة بناء دولة حديثة.

ثم نستيقظ في اليوم التالي على سعر جديد للمحروقات.

وفي 13 أيلول دخلت نشرة أسعار جديدة حيّز التنفيذ، وصلت فيها زيادة المازوت إلى 40%، وتبعتها احتجاجات في عدد من المناطق.

وهنا يبدأ السؤال الذي يزعجني فعلًا:

أين الخطة؟

ليس المقصود أن رفع الأسعار ممنوع اقتصاديًا، ولا أن على الدولة أن تبيع الطاقة بخسارة إلى الأبد. الاقتصاد له حساباته، والدولة التي تعتمد على الاستيراد وتتأثر بالأسعار العالمية لديها مشكلات حقيقية لا تُحل بالشعارات.

لكن المواطن أيضًا لديه حساباته.

راتبه، مواصلاته، طعامه، فاتورة الكهرباء، سعر الخبز، تكلفة الإنتاج، أجرة السيارة، سعر كل سلعة ستُنقل بشاحنة تعمل بالمازوت.

الاقتصاد ليس رقمًا جديدًا نضعه على نشرة أسعار ثم نشرح للمواطن لاحقًا لماذا يجب أن يتفهمه. الاقتصاد سلسلة كاملة؛ عندما تحرك أول حجر فيها عليك أن تعرف أين ستصل بقية الأحجار.

وفي وسط كل ذلك، دخلنا إلى ملف التعليم.

كنت أتوقع، وأنا أتابع النقاش حوله، أن نسمع عن رواتب المعلمين، المدارس المدمرة، جودة المناهج، اكتظاظ الصفوف، التسرب المدرسي، تدريب المدرسين أو كيفية بناء جيل قادر على المنافسة في عالم يتغير بالذكاء الاصطناعي كل ستة أشهر.

لكننا حصلنا بدلًا من ذلك على نقاش حول ما سُمّي «تأنيث التعليم»، وأن وجود أعداد كبيرة من المعلمات قد يؤثر في شخصية الطالب، ثم مداخلة أخرى تدعو إلى إعادة السماح بضرب الطلاب ضمن ضوابط.

واللافت أن وزير التربية نفسه رفض العقاب الجسدي بوضوح، وقال إن «الضرب يروّض ولا يربي».

وأنا هنا لا أفهم أصلًا كيف وصلنا إلى هذه النقطة.

هل مشكلتنا أن المعلمة امرأة؟

هل الطفل السوري الذي عاش حربًا ونزوحًا وفقرًا وانقطاعًا عن التعليم يحتاج اليوم إلى المزيد من «الهيبة» على شكل رجل يقف أمامه في الصف؟

وهل المدرسة الحديثة، بعد كل ما وصل إليه علم التربية وعلم النفس، لا تزال عاجزة عن ضبط طالب إلا بالعصا؟

المعلم الحقيقي لا يحتاج إلى ضرب الطفل لكي يحترمه.

يحتاج إلى معرفة، وشخصية، وأسلوب، وأدوات، وتدريب، وبيئة تعليمية تحترمه هو أولًا كي يستطيع أن يحترم الطالب.

ولا أعتقد أن مشكلة التعليم السوري كانت يومًا أن لدينا عددًا زائدًا من النساء.

لدينا أزمة تعليم كاملة، واختزالها بجنس المدرس يشبه محاولة إصلاح سيارة محترقة بتغيير لونها.

وهنا نعود إلى صورة الأسبوع كاملة.

لدينا عملة بهوية بصرية جديدة، وحديث عن استثمارات بمليارات الدولارات، ومحاولات لبناء اقتصاد جديد، وفي الوقت نفسه لدينا مواطن يلاحق أسعار المحروقات من نشرة إلى أخرى، ومجلس يناقش إن كان وجود النساء في التعليم أضعف «الهيبة»، وشخص يعتقد أن إعادة العصا إلى الصف قد تكون جزءًا من الحل.

المشهد مضحك فعلًا.

لكن المشكلة أنه ليس مضحكًا.

نحن نمزح لأن السوري تعلّم خلال سنوات طويلة أن يحوّل المأساة إلى نكتة كي يستطيع احتمالها.

نعمل «ميم»، نكتب تعليقًا ساخرًا، نضحك ساعتين، يظهر ترند جديد فننتقل إليه.

لكن خلف كل نكتة من هذه يوجد سؤال جدي جدًا:

إلى أين نحن ذاهبون؟

أنا لا أريد من الدولة أن تكون مثالية، ولا أتوقع أن تُحل آثار أكثر من عقد من الحرب والانهيار خلال سنة أو سنتين.

لكنني أريد أن أفهم الاتجاه.

أريد عندما يرتفع سعر الوقود أن أرى أمامه سياسة اقتصادية متكاملة، لا رقمًا جديدًا فقط.

وعندما نتحدث عن الإمارات أو غيرها من التجارب الناجحة، لا أريد أن نستورد شكل الأبراج والأرقام الضخمة فقط؛ أريد أن نفهم أن نجاح الدول يبدأ من الإدارة والمؤسسات والقانون والتعليم والإنتاج، ثم تأتي الأبراج في النهاية.

وعندما يدخل وزير التربية إلى مجلس الشعب، أريد أن يكون السؤال: كيف نصنع أفضل مدرسة؟

لا: هل لدينا نساء أكثر من اللازم؟

ولا: متى نعيد ضرب الأطفال؟

القضية بالنسبة لي شخصية فعلًا، ولهذا ربما أبدو غاضبًا أكثر مما ينبغي.

هذا بلد دفع أهله ثمنًا لا يمكن قياسه بالأرقام. ومن حقهم بعد كل ذلك أن يطالبوا بشيء بسيط جدًا:

أن نشعر أن هناك وجهة.

قد نختلف على الطريق، وعلى سرعة السير، وعلى القرارات الاقتصادية والاجتماعية، وهذا طبيعي.

لكن لا يمكن أن نبقى داخل ما يشبه فيلمًا أمريكيًا طويلًا؛ كل عشر دقائق تظهر حبكة جديدة، وكل أسبوع شخصية جديدة، وكل يوم أزمة تجعلنا ننسى الأزمة السابقة.

نضحك ونمزح لأننا اعتدنا ذلك.

لكن للإنصاف، بعض الأمور لم تعد بحاجة إلى نكتة.

تحتاج فقط إلى أن نتوقف عن مطاردة الترند، وأن نسأل السؤال الأكثر بساطة والأكثر صعوبة في الوقت نفسه:

ما الذي نبنيه بالضبط؟